محاكمة الشعب ما بعد ثورة تونس

Case / Ethics and Responsibility


محاكمة الشعب ما بعد ثورة تونس
Dr. Maher El-saifi (Ph.D , CxO / Board, Jordan

يستثمرون مشاعر الجماهير للاستئثار بالسلطة لتصاب الجماهير بخيبة الأمل مرة أخرى.


يظنون أني لا أرى تلك التفاصيل التافهة..لا يعلمون أن في تلك التفاصيل..يكمن أصل القصة..أحاول أن اتجاهلها.. لكني دوماً أفشل..و يحاصرني معنى واحد..قد يدور في دوائر كبيرة..
لكنه ينتهى في آخر الأمر الى مركز الدائرة الصغرى و يبقى المعنى الأوحد..يحاصرني...يبقى المعنى الأبعد..هو أصل القصة!
لو فرط الحكم في تونس، وهذا ما تشير إليه الأوضاع المكبوتة والمتراكمة عقوداً، فإن تونس ستواجه على شكل الخصوص مشكلة، والوطن العربي على وجه العموم ثلاث مشاكل رئيسية، برأيي. إن أكبر مشكلة لتونس ستضطر لمواجهتها مشكلة البديل، فهي مشكلة كل الأنظمة التي تُبنى حول شخص، والتي تعاني دائماً بعد زوال هذا الشخص أو الحزب. إن البدائل حالياً ليست جيدة؛ لأنها غير مهيئة، وفي الغالب لن تكون بأفضل من السابق، وسينتهي بها المطاف كسابقتها، لكن للأسف بعد التضحيات الكبيرة التي سوف يقدمها الشعب لنيل حريته وحقوقه في حياة كريمة أما الوطن العربي فسوف تنهال عليه المظاهرات الشعبية الهادفة لإسقاط أنظمة الحكم. وهناك أربعة دول كبيرة مهيئة فوراً لذلك. فسنة الحياة أن الأنظمة الأمنية تسقط سقوطاً بشعاً، والعرب ليسوا كالغرب، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، أن من جمال سمات الغرب (الروم) رحمتهم بملوكهم، أما العرب فعند سقوط ملوكهم (رؤساؤهم) تنهال عليهم المذلة والقسوة، وكأن الشعوب تقول نحن ظلمة لذلك أنتم ظلمة. لو أن الشعوب لما تزيح حكامها ترأف بهم، فإن الرسالة هي: ليس هناك موضوع شخصي بيننا وبينكم، الموضوع كرامة الإنسان وأنت إنسان، لكنك لا تصلح للحكم، هذا كل ما في الأمر. لكن الشعوب التي تذل حكامها وشرطتها وجيوشها وعلماءها ومفكريها ومخترعيها .. شعوب تقول أن لا كرامة لنا، وبما أنكم منا، فلا كرامة لكم! أعود للمشاكل المتوقعة ثم التنبيهات لأحبائنا السلاميين في مثل هذه الأوضاع المتوقعة. المشكلة الأولى هي انفراط الشعوب للتغيير، ورغم أن ذلك حق للشعوب لتقرير مصيرها، إلا أن ذلك سيتسبب في فوضى عارمة، وضياع للأمن. وفي الحقيقة أن الأمن، للشعوب، أهم من الحرية. أنا شخصياً يمكنني أن أعيش في سوريا، وهي بلد عديمة الحرية، من أن أعيش في العراق، وهي بلد تتمتع بحرية عالية جداً. لكن سوريا من آمن البلدان والعراق عديمة الأمن. فسوريا ستخرج علماء ومفكرين ومنتجين ومستثمرين، لكن العراق سيستمر ساحة للعابثين والإرهابيين، إلا إذا توفر الأمن. بالأمن يمكننا أن نصنع حرية، بالحرية لا نصنع بالضرورة أمناً! مع ذلك فلا حاجة للتنبيه الآن، فالعقد سينفرط بعد إسقاط الشعب للحكم في تونس، والذي يتوقع أن يكون قريباً، لذا فأول مشكلة ستواجه الشعوب هو ضياع الأمن لفترة، وذلك تترتب عليه أمور، منها: الهجرة الجماعية، خسائر التجارة والاقتصاد، استياء الوضع المادي، ارتفاع أكثر للبطالة، فوضى أمنية.. وفي النهاية تدخل أجنبي وساحة قتال جديدة للإهابيين. إن الصورة قاتمة ذلك أن الشعوب لا تملك هذا الوعي بعد. لو أن الشعب "لا يحمل ولا يتحامل"، والقصد لا يحمل سلاحاً (كما هو الحال في تونس حتى الآن، فمتى حمل السلاح خسر الساحة ولوث الأرض، وهو السبب الذي جعل الرئيس التونسي يسحب الجيش من العاصمة، لأنه يعلم، من خلال التجارب، أن الجيش قد ينقلب عليه في أي وقت، وهذا سيحصل، لكن الانقلابات العسكرية، من تجربتنا سيئة وتأتي بأمثلة سيئة، يستثنى انقلاب المشير محمد سوار الذهب في السودان). إن حمل السلاح يعني استباحة حرمات الأرض، وهذا سيجلب لك ربع الأفغان العرب، وثلث المتطرفين، وجملة من المرتزقة، وتجار السلاح، والنهاية كما العادة وكما أسلفنا، تدخل أجنبي جديد، وعقود من المعاناة والمقاومة والحروب. وأما "لا يتحامل" فالقصد لا تحامل على الحكام. يجب تحمل المسؤولية لاستتباب السلام والتنمية والعيش حياة كريمة. إن هذا لا يتم بسحق الأنظمة والحكام والأحزاب، هذا لا يتم إلا بطريق واحد فقط لا غير، وهو: "أذهبوا فأنتم الطلقاء". سوى ذلك فإن الشعب يقول البقاء للأقوى وسيأتي الأقوى في هذه الحالة. يجب أن تقول الشعوب بصوت واحد نحن لا يهمنا فلاناً ولا علاناً، نحن للتنمية، للعلم، للصحة، للحياة الكريمة، للحرية، للأمن.. للمساهمة في بناء الحضارة القادمة
أما المشكلة الثانية التي ستواجه العرب بعد إسقاط النظام في تونس من خلال الشارع: ارتفاع وتيرة الفكر الأوحد سواء ذلك العلماني أو الديني. دائماً في الساحات الفوضوية تخرج تلك الأصوات التي تتحدث عن السماء وعن البشرية جمعاء، وهي أصوات نشاز، غير أن الناس ليست لديها في ظل هذه الظروف مساحة كبيرة من الخيارات. إن من عمق وأساس أهداف التنمية، كما عرفها العالم الباكستاني الكبير واضع أسس تعريف التنمية البشرية، محبوب الحق، هي: توسيع خيارات البشر. وعمق هدف التيارات الدينية والسياسية: توحيد (تقليل) خيارات البشر. ما من نبي من الأنبياء ولا مفكر من المفكرين الكبار إلا وكان هدفه توسيع خيارات البشر من ظلمة وحجر وضيق الأحزاب والأنظمة والتيارات والكهنة. وقد قالها الذي فهم الرسالة وقتها: لنخرج الناس من ضيق الأديان إلى سعة الإسلام. فالإسلام سعة، والأصل في الأديان أنها تحرر الإنسان، لكنها في الطريق تصبح كما وصفها ماركس مخدراً وأفيون. ما الحكمة من ثلاثة ملايين مسلم مجتمع في بنغلاديش ليس فيهم واحد يصنع راديو؟ كلهم يعتقد أنه بذلك يرضي ربه وينقذ دينه!! ما الحكمة من تنظيم سماه د. ريتشارد ميتشل "أكبر تنظيم عالمي بعد الماسونية" ليس فيه مخترع واحد؟ ماالحكمة من تنظيم يدعي حماية العقيدة وأتباعه بالملايين لم يصنع الثوب الذي يلبسه كل أتباعه ولا سراويله؟! هل هذه ثمرات العقيدة والدعوة والتصوف الذي يدعون إليه؟! هل بعدما تكون لدينا عقيدة مثل عقيدتهم، ودعوة مثل دعوتهم، وتصوف مثل تصوفهم سيؤول بنا الحال إلى ما هم عليه من شتم وسب ولعن وتكفير وتفسيق وكثرة جدل وقلة عمل وضياع أمن وتعاسة في النفوس؟! هل هذه عقيدة وسلوك وتصوف ودعوة صحيحة؟! هل هذه الثمرات؟ ثم تلك الدعوات العلمانية التي شردت الأمة شذر مذر، فلا تحررت فلسطين، ولا توحد الشعب، ولا رجعت كرامتها، بل عمروا البارات والكازينوهات والفنادق في كل أنحاء المعمورة بأموال التبرعات التي دفعتها الشعوب للقضية وللجهد الحربي
أما المشلكة الثالثة: فرار أكثر للعقول المستنيرة. ليس في الساحة العربية نسبة كبيرة من العقول المستنيرة حالياً. قد يكون بين العشرة آلاف إلى المائة ألف واحد فقط! وهذا يعني في مصر الكبيرة ألوف قليلة، وبين الألف مستنير ربما واحد قائد مستنير، والناس كأبل مائة لا تكاد تجد فيهم راحلة! هذا يعني عشرات في مصر، وعشرات في تونس والجزائر والمغرب، وعشرات في الخليج، وعشرات في الشام. لو هاجر هؤلاء العشرات أو المئات ضاع العرب في ظلمة التيارات ي

React  |  More on the Author  |  More on this Interest Area


Other Views by this Author: محاكمة الشعب ما بعد ثورة تونس-2 | الادراك شيئا يحتاج الى التفكير (اقرأها ولن تندم)‏


 
About 12manage | Advertising | Link to us | Privacy | Terms of Service
Copyright 2017 12manage - The Executive Fast Track. V14.1 - Last updated: 28-3-2017. All names tm by their owners.